الشيخ محمد رشيد رضا
356
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أما تفسير الآية فهو ما ترى : إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أي ان جزاء الذين يفعلون ما ذكر محصور فيما يذكر بعده من العقوبات على سبيل الترتيب والتوزيع على جناياتهم ومفاسدهم ، لكل منها ما يليق بها من العقوبة والمحاربة مفاعلة من الحرب وهي ضد السلم . والسلم السّلام أي السلامة من الأذى والضرر والآفات ، والامن على النفس والمال . والأصل في معنى كلمة الحرب التعدي وسلب المال . لسان العرب : الحرب بالتحريك ان يسلب الرجل ماله ، حربه يحربه ( بوزن طلب . وكذا بوزن تعب ) إذا أخذ ماله ، فهو محروب وحريب ، من قوم حربي وحرباء . ثم قال حريبة الرجل ماله الذي يعيش به . والحرب ( بالتحريك ) أخذ الحريبة ، فهو ان يأخذ ماله ويتركه بلا شيء يعيش به ، اه فأنت ترى ان الحرب والمحاربة ، ليس مرادفا للقتل والمقاتلة . وانما الأصل فيها الاعتداء والسلب وإزالة الأمن . وقد يكون ذلك بقتل وقتال وبدونهما . وقد ذكر القتل والقتال في القرآن في أكثر من مئة آية . وأما المحاربة فلم تذكر الا في هذه وفي قوله تعالى في بيان علة بناء المنافقين لمسجد الضرار ( وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ ) قال رواة التفسير المأثور : أي وترقبا وانتظارا للذي حارب اللّه ورسوله من قبل بناء هذا المسجد ، وهو أبو عامر الراهب ، فإنه كان شديد العداوة للاسلام ووعد المنافقين بأن يذهب ويأتيهم بجنود من عند قيصر للايقاع بالنبي ( ص ) والمؤمنين . فمحاربة هذا الراهب من قبل كانت بإثارة الفتن لا بالقتال والنزال . وأما لفظ « الحرب » فقد ذكر في أربعة مواضع من أربع سور . منها إعلام المصرّين على الربا بأنهم في حرب للّه ورسوله بأكلهم أموال الناس بالباطل . والباقي بالمعنى المشهور ، وهو ضد السلم . وكان أهل البوادي - ولا يزالون - يغزو بعضهم بعضا لأجل السلب والنهب . وقد جعل الفقهاء كتاب المحاربة - ويقولون الحرابة أيضا - غير كتاب الجهاد والقتال . وجعلوا الأصل فيها هاتين الآيتين . وعرفوها بأنها اشهار السلاح وقطع السبيل ، واشترط بعضهم كالشافعي ان يكون ذلك من أهل الشوكة . ( كالذين يؤلفون العصابات المسلحة للسلب والنهب وقتل من يعارضهم ، أو لمقاومة السلطة ابتغاء الفتنة